عن أعراس فاس: فصول من طقوس خالدة (ج2)

عن أعراس فاس: فصول من طقوس خالدة (ج2)

توقفنا قبلا عند انتهاء الخطبة ودفع المهر الذي به ترتفع الأعلام وتدق الطبول ليُعلم خبر الزفاف ويشهر عند أهل المدينة، وتمضي الدعوات بين الملتقيات بالسطوح والذاكرين بالمساجد والزوايا، فيستعد المدعوون للمساهمة وتقرض المدعوات والقريبات أيديهن لكل عمل جماعي تتردد فيه التوشيحات والعُروبيات تتخللها الزغاريد والتطبيلات.
وأيام الزفاف تطول أو تقصر حسب كل عائلة ووضعها، بل حسب كل عروسين ووضعهما. كذلك فالبكر الرشيد غير المطلقة والأرمل غير الأعزب والتاجر غير الشريف. إلا أن الاحتفالات تبقى في جوهرها واحدة. فهيا بنا من جديد نُتابع بين دروب المدينة امرأة تتشح بالبياض وتمضي إلى دار العروس.

يبدأ الأمر بامرأة توفدها أم العروس لدار العريس ومعها كبة من صوف تأخذ بها قياسات حجرة الكنة لتتمكن من تفصيل الأرائك واللحف على المقاس المضبوط؛ في المقابل، تعود المرأة بكبتين إحداهما من الصقلي والأخرى حرير أخضر تُضفر بهما جديلة على مقاس قدم العروس ليُدفع بها إلى الشرابليين حتى تكون الشرابيل المطرزة، المهداة من الزوج بعد الزفاف، على مقاس الزوجة.
قبل خمسة أيام من يوم الزفاف، تُرسل النكافات لدار العرس حتى يُحضّرن غرفة الزفاف ويتأكدن من توفر كل اللوازم كالزرابي والطنافس والستائر وغيرها، وذاك هو يوم "التنقيل"، أي إحضار جهاز العروسة، الذي يليه نهار الفرش وفيه تُرتب قبة العرس بحيث تكدس النكافات اللحف واحدة فوق الأخرى بجانب من الحجرة يشكلن حاجزا بين الغرفة وجانب ضيق منها يتسع لسرير محاط بحيطان تكسوها الأقمشة المطرزة، وذاك المكان هو "الدخشوشة" أين سيلتقي العروسان لأول مرة.
واليومان هما يوما حفل تحضرهما الطبالات والمغنيات بكلتا الدارين يشهدن رحيل الجهاز.

الما أمان والشر ما كان:

قديما، كانت العروس تتجه للحمام مرة كل ليلتين طيلة خمسة عشر يوما لكن ذلك تغير مع الزمن وصارت تذهب أياما قبل الزفاف فقط لتُقبب.
والتقبيب، هو طقس الحمام، بحيث تروح صاحبة الأمر مع صويحباتها وقريباتها وبعض الإماء، إن وُجدن، يحملن الشموع والسكر لحمام الحي، المكترى ليوم أو نصفه، تتلقاها العاملات به  –الطيابات- بالتهليل والزغاريد ثم يصحبنها وهي صامتة مغمضة العينين، وهن محتفلات مزغردات،  إلى القاعة الحارة ليدلكنها ويطهرن جسدها قبل أن يمضين بها لمكان منعزل حيث سبع قباب –دلاء خشبية - مصفوفة وتبدأ سبع نساء بصب الماء على العروس مستخدمة طاسة فضية أو طاسة مكية، أي قادمة رأسا من مكة، بغية البركة إذ بهذا الطقس تصير العروس محمية تحفها الملائكة وتدفع عنها البلاء وكذلك بغية دفع كل خصام بينها وبين زوجها المستقبلي.
حين تخرج من الحمام، تُهدي العروس كل ملابسها لمستخدمات الحمام اللائي تطوينها وتغنين على شرفها بعد إلباسها ملابس جديدة و إسدال محرمة فاخرة على رأسها فتدخل العروس الخدر حين تعود لمنزلها وتُحجب عن الأنظار بستار يُقام في حجرتها لا تُسليها سوى بعض صويحباتها إلى حين مجيء المْعلمة الحناية، أي المكلفة بنقش الحناء، التي ترسم خطوطا تُسمى الحنا بالتقويسة وهي رسوم كانت خاصة بالعرائس حصرا.

عروسة مرهونة في دار اباها مرهونة:

يُقام حفل القوالب الصغار بعد التقبيب وفيه تحضر النساء مساءً لشرب الشاي والحلوى بمنزل العروس المختفية خلف الستار مع رفيقاتها اللائي تسلينها والطبالات المغنيات بالفناء تتغنين بشذى الألحان وعلى باب حجرة العروس، شابتان من أهل العريس حديثتا العهد بالزواج تجلسن بارزات واسمهن البرّازات، لكل منهن نكافة تحرص على تزيينها وذاك من الطقوس التي تروم تضليل الجن وقوى السوء ليخلطوا الأمر عليها لئلا تصيب العروس بشر.
أما القوالب الكبار فهو حفل اليوم الموالي الذي تأتي فيه النكاكف –جمع نكافة أي الماشطة- صباحا وتقضين اليوم في صخب، تتغدين وتشربن الشاي استعدادا لخدمة العروس ليلا حين يسكن الخلائق ويطل البدر من عليائه على ربة الخدر التي حضرتها النكاكف وزينّها ثم جعلن عليها كسوة الجوهر، الزي ذو الألف قطعة وحلية، ثم يسدلن الحجاب على وجهها ويخرجنها من خدرها لتشرف على الفناء ويلتقي قمر الأرض بقمر السماء فيسطع الأخير ويُحمل بدر التمام الأرضي فوق مائدة قصيرة، وتوقد الشموع تحملها حاضرات، وأخريات تصلين على النبي بينما ترفع النكافات المائدة والعروس الجامدة بها ثم تدرن بها مناديات مهللات: "ها هي يا لالة، ها هي في دارنا."
وتدور النكاكف بالمائدة وذاك طقس الميدة المُقام في جوف الليل على ضوء الشموع وبين حاضرات تشرئب أعناقهن لرؤية التمثال الجامد المحتفظ بصمته رغم صخب الطبالات وزغاريد المدعوات.
توضع الميدة أرضا بعدها وتختفي العروس خلف ستارها لترتاح ثم تعود بها النكافة لباب الحجرة وتقف في صمت والنساء مجتمعات بالفناء تترقبن كما البدر في السماء يأبى الأفول منتظرا معهن لحظة رفع الماشطة للخمار على الوجه الجامد المخضب، اللهم إن كانت شريفة فلا يكثرن تزيينها، المطبق العينين وتمسك النكافة بكتفيها وتحركها بلطف كاسرة الصمت المحيط بالمخلوقات: "ها هي يا لالة، تبارك الله عليك يا لالة، الحجوب عليك يا قمر العرايس، يا التمر المجهول..." إلى غيرها من عبارات التمجيد ثم تنادي أخرى بعد أن تسدل الحجاب عنها من جديد و تمد إزارا فوق رأسها عليه سلطانية: " ها هي مرهونة... العروسة مرهونة"
تتقدم الأم لتفك رهن ابنتها من بين يدي الماشطات وتنفحهن بمال تضعه في السلطانية ثم تقبل خدي ابنتها وتنسحب لتتقدم أخريات لفك الرهينة وكلهن تدفعن بالأموال في الصحن إلى أن يفك الرهن و يرفع الحجاب فتبدأ النكاكف التعشيق من جديد ممجدات العروس وذاكرات محاسنها مشبهات إليها بالعسل المصفى والزين بلا ملح وغيرها من اللازمات التي ترددها جوقة الماشطات بأصوات جهورية تخترق الصمت المحيط قبل أن تُحمل العروس لخدرها من جديد حتى ترتاح بينما تبقى النساء مستيقظات ما بقي من الليل وهن مغنيات مطبلات مع جوقة الطبالات.

بين الغرامة في المنبر والغرامة في الشيلية:

بعد الحفل الليلي، تأتي النكافات صباح اليوم الموالي بمنبر ذي ثلاث درجات، يُكترى من حبوس سيدي فرج، وتُبرز العروس فوقه بساحة الدار أمام "الحضارات" اللائي يُقدمن الهدايا للماشطة الواقفة بأولى الدرجات، والتي تُسلمها بدورها للمعلمة، كبيرة فرقة الماشطات، الواقفة بجانب العروس وهي تشيد بكل هدية وصاحبتها، ذاكرة مناقبها ومناقب أهلها وأمجاد أسرتها.
هذا الطقس هو الغرامة في المْنبر وهو آخر احتفال للعروس التي تحظى بنهار الراحة قبل أن تروح لدار زوجها.
دار زوجها التي تُسمى الآن دار العرس تفريقا لها عن دار أخرى يقيم فيها العريس ورفاقه من الشباب وهي دار إسلان.
بالدار الأخيرة، يكون العريس سلطان زمانه ويختار من بين رفاقه وزراء فتُقام المحاكم الصورية وتؤخذ الرهائن وتؤدى الغرامات على شاكلة الديوان الإمبراطوري، كل هذا والأجواق تعزف المقاطع البهيجة والحلاقين يدورون بالشاي والحلوى.
فعلى شاكلة النكاكف، للحلاقين دور مهم في العرس الفاسي؛ لعلنا نتطرق لمحميي سيدي علي بوغالب ودورهم في الزفاف في مقال ملحق.
وليلة الزفاف، يكون العريس ذهب فيها للحمام أو قبل ذلك، يُؤتى بكرسي مصبوغ بألوان فاتحة من عند  حلاق العائلة و يوضع وسط دار العرس بحضور النكافة ثم يحمل الوزراء سلطانهم  من دار إسلان وهو مغطى الرأس للحلاق الذي يستعد ليحلق شعر العريس لكن قبل ذلك، تبلل النكافة شعره بغصن الريحان  ويبدأ الشبان من رفاقه بإلصاق القطع النقدية برأسه أو وضعها بين شفتيه كما يُشارك رفاق الوالد والأقارب في الحفل، وكلما أعطى أحدهم قطعة إلا وارتفع صوت أحد غلمان الحلاق: "الله مع فُلان".
ينتهي طقس الغرامة على العريس في الشيلية، وهي مُرادف كرسي عند أهل فاس، ثم يُحلق الشعر واللحية استعدادا للقاء العروسة.

كل شي بكى ومشى: *

ويحل أخيرا بعد أيام وليال من الاحتفالات والاستعدادات والتحضيرات يوم الزفاف، اليوم الذي تغادر فيه الفتاة منزل والدها لمنزل جديد عنها ستقضي فيه باقي العمر ويصير دارها وأهله هم أهلها.
بعد ولائم بدار العرس وإسلان وكذلك بدار العروس فإن المدعوون ينقص عددهم ولا يبقى سوى الأقربون فيستعد أهل العريس لإحضار كنتهم فيؤتى بالعريس من دار إسلان و يذهب بعض رفاقه وأقرابه، ما عدا والده، في موكب به بضع نساء وأطفال يحملون شموع متقدة لدار العروس التي يكون أهلها في انتظار الموكب فيبدون بعض المعارضة حماية لابنتهم قبل أن يُسلموها ومعها ركب من الماشطات وبعض رجال عائلتها، ما عدا والدها، ونساء معظمهن يشبهن العروس في لباسها  وتلحيف حائكها حتى يختلط الأمر على قوى الشر من جديد ولا تُعرف من العروس إلى أن تبلغ دارها الجديدة بسلام.
إذا ما كانت العروس شريفة النسب فإنها تُحمل في كرسي يُدعى القبة، وتنطق القاف كالكاف المثلثة، وهو كالهودج يحمله الصحافة ولا يكترونه سوى للعائلات الشريفة مهما دفع آخرون فيه من ثمن.
بباب دار العُرس، يعود أهل العروسة من الذكور أدراجهم ويبيت أقرباء العريس بدار إسلان فلا تدخل الدار سوى الزوجة والنساء مع الماشطات اللائي يزين العروس ويضعن عليها كسوة الجوهر من جديد ومعها طقوس ترحيب أخرى منها ما يضمن البركة في البيت و يجعل قدم الوافدة قدم خير ورزق.
تُسلم الحماة على كنتها ثم تطوف النكاكف بالعروس الصنم فوق الميدة من جديد وينزلنها في انتظار قدوم العريس الذي تتكلف ماشطتان بإحضاره من دار إسلان بعد أن يتكلف وزراؤه إلباسه جلبابا وبرنسا أبيضا، الكْسا، ثم يؤتى به في موكب من الشبان لا يتجاوزون عتبة الباب حيث يؤدون الغرامة للماشطات ويعودون أدراجهم تاركين سلطانهم وحدهم وسط حريم من المزغردات والمطبلات اللائي يفسحن الطريق للشاب المغطى الرأس إلى أن يصل حيث عروسه التي تُديرها الخاطبة نحو الزوج وتكشف عنها الحجاب فيريان بعضهما لأول مرة ثم ينسدل الحجاب و تمضي العروس لحجرة العرس فتُزال عنها زينتها الثقيلة والمساحيق الملونة فتمضي للدخشوشة، السابقة الوصف، فيدخل الزوج الذي يضع يده على كتف عروسه ويقرأ بعضا من الذكر الحكيم.

الصباح والصبوحي: صباحيات احتفالية

يُدعى اليوم الأول بعد ليلة الزفاف، الصباح وفيه يذهب العريس لدار إسلان ويمكث بها للمساء فيعود ليجد العروسة في حفل بين النساء وهي بارزة فوق وسائد عالية، مطبقة العينين، جامدة الملامح ومزينة الوجه؛ في دار العروسة، يُقام الاحتفال الأخير ذاك اليوم أيضا وفيه تبرز الأوانس بالأقمشة الفاخرة والحلي الذهبية مع أمهاتهن وهن مطبلات منشدات، وفي مثل هذا الحفل تختار الأمهات عرائس لأبنائهن.
أما بدار العرس فيوم الصبوحي، أي يوم إتمام الزواج، هو آخر يوم للمدعوات حتى يتفرقن بعد أن تجتمع المتزوجات منهن ويُعرض عليهن دليل إتمام الزواج فتجمعن حليهن وقفاطينهن ثم تعدن لحياتهن العادية و تنحسر زيارتهن في الأيام المقبلة، ثاني الصبوحي وثالث الصبوحي في سويعات قليلة تبرز فيها العروسة للمدعوات وتشاهدن هدايا زوجها لها.
بعد ذلك، يأتي يوم حل الرأس وفيه تضفر العروس شعرها، ثم نهار الغسيل الذي تضع فيه العروس أول مرة "الحنطوز" وتتوصل ب"الفطور" من والدها، ثم السلام أو بوسليت، الذي فيه تبرز العروس لأهل زوجها من الرجال وتتعرف عليهم كما يتعرفون عليها، ثم يوم الطبخ الذي تعجن فيه الزوجة الجديدة الخبز وتحضر طبق الشابل لتبين عن علو كعبها في الطبخ وتدبير الدار.

إلى هنا انتهى حفل الزفاف وغادرت النكاكف والحلاقين ساحتي الدارين، عاد للمنازل سكونها وصارت العروسة كنة تلتزم بقواعد منزل آل زوجها فتعيش وإياهم على أمل احتفال آخر قريب يأتي بعد انتفاخ بطنها ووضع مولودها، وخبر الولادة قصة أخرى نقص منكم لها خبرا هنا.
تلك كانت احتفالات الزفاف التي أوردناها مختصرة فلو أردنا الإسهاب والإطناب لكان لنا حديث شهرزاد مع شهريار لما في تلك الأيام من عادات كثيرة وممارسات تختلف باختلاف كل دار فالزواج بفاس ليس عقد نكاح بين شخصين بقدر ما هو عقد نسب بين عائلتين وغصنا شجرتين يلتقيان بجنان أرض المولى إدريس المحتجبة عن الخلائق بأسوارها المنيعة ودروبها الملتوية.

* يحكى أن رجلا كان يحب ابنته كثيرا فلما كان زفافها وبدأت بالبكاء ساعة الرحيل تأثر واقترح عليها أن تبقى ويبدلها بفتاة أخرى قالت له: "كل شي بكى ومشى" بمعنى أنهن كلهن بكين ومشين و العبارة تُقال عند رحيل الفتاة التي تبكي منزل والديها لكنها متحمسة للقاء دارها ودار زوجها، فتلك هي سنة الحياة.

بقلم الباحث: إلياس أقراب

المصادر:

عبد الهادي بوطالب، أعراس فاس.

الحسن الوزان، ترجمة: محمد حجي ومحمد الأخضر، وصف إفريقيا، الكتاب الأول، القسم الثالث، ص: 254 - 258

Edward Wetmark, Marriage ceremonies in Morocco , Ch:I - VIII

Roger Le Tourneau, Fès avant le protectorat, Partie : II, Livre: VII, Ch: III