أيام فاس الدامية: صفحة مهمة من تاريخ فاس تجاهلتها المناهج الدراسية

أيام فاس الدامية: صفحة مهمة من تاريخ فاس تجاهلتها المناهج الدراسية
أيام فاس الدامية: صفحة مهمة من تاريخ فاس تجاهلتها المناهج الدراسية
أيام فاس الدامية: صفحة مهمة من تاريخ فاس تجاهلتها المناهج الدراسية
أيام فاس الدامية: صفحة مهمة من تاريخ فاس تجاهلتها المناهج الدراسية
أيام فاس الدامية: صفحة مهمة من تاريخ فاس تجاهلتها المناهج الدراسية
أيام فاس الدامية: صفحة مهمة من تاريخ فاس تجاهلتها المناهج الدراسية
أيام فاس الدامية: صفحة مهمة من تاريخ فاس تجاهلتها المناهج الدراسية
أيام فاس الدامية: صفحة مهمة من تاريخ فاس تجاهلتها المناهج الدراسية
أيام فاس الدامية: صفحة مهمة من تاريخ فاس تجاهلتها المناهج الدراسية
أيام فاس الدامية: صفحة مهمة من تاريخ فاس تجاهلتها المناهج الدراسية

لا يخفى على أحد أنه بحلول يوم 30 من مارس من كل سنة، تحل معه ذكرى توقيع معاهدة الحماية على المغرب، وإدخاله إلى الحظيرة الفرنسية لمدة أربع وأربعين سنة، سخر فيها المغاربة كل قواهم لنيل الاستقلال والحرية. أما ما يخفى على معظم الناس هو أيام لقبها الوطنيون خلال العشرينيات بـ"انتفاضة فاس"، بينما أعطاها اليهود اسم "التريتيل"، في حين سماها الفرنسيون "أيام فاس الدامية". تلك الأيام التي صبغت فيها الحاضرة الإدريسية بلون الدماء، وسقط فيها قتلى من الطوائف الثلاثة.

حتى لو سمى التاريخ بعض الانتفاضات والثورات على أنه هوجة عشوائية، إلا أنه لا بد أن يكون فيها بعض التنظيم في الأول، كما لابد أن يكون هناك حدث محفز لهاته الهوجة. كذلك الأمر بفاس التي قامت بها انتفاضة ضد المستعمر طيلة ثلاثة أيام امتدت من السابع عشر من أبريل إلى التاسع عشر منه، ولكن الأحداث التي سبقت هاته الأيام هي التي جعلت الانتفاضة تكون شعبية وتسبب للمستعمر خسائر عديدة. ومن الأحداث التي أفاضت الكأس وجعلت الانتفاضة تصطبغ بالعنف، حدث توقيع السلطان المغربي لمعاهدة الحماية مع المستعمر الفرنسي، ما جعل العلماء والشرفاء يتعبؤون لشحذ الهمم والنفوس والقول بأن المدينة الإدريسية ستباع للنصارى، وتوجه السلطان المولى عبد الحفيظ للرباط، الشيء الذي فسره المنتفضون بكونه خذلان لهم من طرف السلطان.  

الأربعاء 29 جمادى الثانية 1330 الموافق ل17 أبريل 1912 يوم كسوف تام بالمملكة، إلا أنه لم يرصد بفاس بسبب تلبد الغيوم والجو المكفهر الذي كان عاصفيا منذ ليلة خلت. الساعة تشير إلى الواحدة بعد الزوال عندما اشتد اللغط والهرج بحومة الطالعة، حين هوى جزار بساطور على ضابط فرنسي فوق فرسه كان يحاول ردع الثائرين من جند وشعب متحدين، إلا أن أول بوادر الثورة ظهرت بين الجنود الذين قدموا طوائف للسلطان بقصره في فاس للشكوى مما يلاقونه من تعسف وإهانة على أيدي الضباط الفرنسيين، كما أنهم عبروا غير ما مرة عن تشبتهم بالسلطان وطلبوا منه عدم الرحيل إلى الرباط أو خارج البلاد. كما طلبوا العتاد والسلاح الشيء الذي ووجه بالرفض، فما كان منهم إلا أن ثاروا وبدؤوا بأن اقتحموا منزل مهندس السلطان برونو الذي كان يقع بالقصر الملكي فقتلوه، ومن ذلك المنزل تفرقوا جماعات في كل المدينة تكاثروا وامتزجوا مع سائر طبقات المدينة.  

بين الطالعة الصغيرة والكبيرة حيث كان فندق فرنسا، فإن الثوار اقتحموه ومنعوا بعض الجنود من الوصول إلى باب أبي الجنود، وما فتئ عدد الثوار يتزايد في كل درب وحومة حتى أصبح العدد كبيرا تزكيهم زغاريد النساء من السطوح ،مما أشعل فتيل الحماس وجعل الأمر يخرج عن السيطرة، بعد مقتل الضباط والجنود، ووصل إلى المستوطنين الفرنسيين ونهب دورهم  كما أن الملاح تضرر أيضا وتم اقتحامه من طرف الثوار عقابا لليهود على ترحيبهم بالمستعمر الفرنسي، فأصبحت الدور خالية إلا من أثار التدمير، واختبأ من بقي هربا من ثورة الغضب، إلى أن فتح السلطان قصره عبر باب بولخصيصات ليتم استقبال من بقي من اليهود في حديقة مليكة، حيث استقروا حتى انتهاء هذه الانتفاضة. وبحلول مساء الأربعاء وسجل الفرنسيون مقتل اثني عشر ضابطا وخمسة مساعدين كبار مع جنديين اثنين وتسعة مستوطنين مدنيين.

استمر الغضب في يومي الخميس والجمعة بنفس الوتيرة، حتى أن القبائل المجاورة بدأت تزحف نحو فاس لمساندتها في الثورة،  إلى أن تدخلت السلطات الفرنسية واستقدمت جنودها من مكناس، حيث قاتلوا الثوار وأخضعوا من بقي منهم. ومع بزوغ فجر يوم السبت 20 أبريل خرج اليهود من القصر لتقييم الخسائر بحيهم المنهار، ورفع المغاربة -مضطرين- رايات الاستسلام على كل البيوت، وخمدت الزغاريد التي أفزعت الفرنسيين. خصص 22 و23 من نفس الشهر لتجريد السكان من السلاح وتنفيذ أحكام الإعدام على بعضهم، لتطوى صفحات نضال دموي بقيت راسخة في التاريخ.

تجدر الإشارة أن الثوار قد توجهوا لدور المستوطنين الفرنسيين فقط دون غيرهم، وهذا ما شهد به الصحفيون الفرنسيون، وكذلك سفارات بلدان أخرى كإنجلترا التي تعرض مقر بريدها للنهب، ولكن ما إنه علم الثوار بأنه للبريطانيين حتى أعادوا كل شيء إلى مكانه، الشيء الذي يبرهن على أنها كانت ثورة ضد الفرنسيين وحسب. لكن أتباع الطائفة اليهودية يتهمون الثوار باستهدافهم والاعتداء عليهم، ونهب دورهم واغتصاب نسائهم، وينعتون هذه الانتفاضة بأعمال الشغب الدامية التي دمرت حيهم وشردت عائلاتهم.


بقلم: إلياس أقراب

المصدر:

من مصادر تاريخ المغرب الدبلوماسي: الحماية الفرنسية: بدايتها نهايتها حسب إفادات معاصرة. تعريب الدكتور عبد الهادي التازي